الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

259

تفسير روح البيان

الروح ووقف على اسرار البرزخ وأحوال القبر وما فيه من الألم واللذة الجسمانيين وانحل عندك وجه كونه روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران فالشهداء احياء بالحياة البرزخية متنعمون لأنهم أجسام لطيفة كالملائكة فإنهم موجودون احياء قال المولى الفناري في تفسير الفاتحة كل نعيم يتنعم به الصديقون والشهداء والصالحون في البرزخ خيالي وكذا كل عذاب يتألم به الجهنميون ومصداق ذلك أنه إذا نفخ في الصور وبعث الخلق ينسى كل واحد منهم حاله في البرزخ ويتخيل ان ذلك الذي كان فيه منام كما تخيله المستيقظ وقد كان حين مات وانتقل إلى البرزخ كالمستيقظ هناك وان الحياة الدنيا كانت له كالمنام وفي الآخرة يعتقد في امر الدنيا والبرزخ انه منام في منام وان اليقظة الصحيحة هي التي هو عليها في الدار الآخرة حيث لا نوم فيها ولا نوم بعدها انتهى كلامه * قال في أسئلة الحكم ان أمور البرزخ والآخرة على النمط الغير المألوف في الدنيا والأرواح بعد الموت ليس لها نعيم ولا عذاب حسى جسماني لكن ذلك نعيم أو عذاب معنوي حتى تبعث أجسادها فترد إليها فتتنعم عند ذلك حسا ومعنى ألا ترى إلى بشر الحافي قدس سره لما رؤى في المنام قيل له ما فعل اللّه بك قال غفر لي وأباح لي نصف الجنة يعنى روحه متنعمة بالجنة بما يليق بها في مقامه والنصف الآخر هو الجنة التي يدخلها ببدنه إذا حشر فيكمل النعيم بالنصف الآخر والاكل الذي راه الميت بعد موته في البرزخ هو كالأكل الذي يراه النائم في النوم والنعيم به مثل النعيم به سواء كما قال عليه السلام ( انى أبيت عند ربى يطعمني ويسقيني ) وكذلك كل شخص غير أن الفرق بين الرسول وغيره في هذه الصورة ان جسم النبي يبيت جائعا ويستيقظ وهو شبعان وغير النبي يأكل في منامه وهو جيعان ويستيقظ وهو كذلك وإذا رأى الولي الوارث ذلك وقد وجد أثر الشبع أو الري فذلك من اجزاء النبوة التي وردت في الميراث إذ الرؤيا جزؤ من ستة وأربعين جزأ من النبوة وقد رأى ذلك كثير من الأولياء وأصبحوا وعليهم رائحة الطعام الذي أكلوه وشبعوا فهذه وراثة نبوبة فقوله عليه السلام ( انى لست كهيئتكم ) باعتبار الغالب لا باعتبار الكل فتنعم الشهداء في البرزخ بمرتبة تنعم الولي الوارث في المنام فافهم هذا المقام فان الجسم المبحوث عنه هاهنا هو الجسم اللطيف وتنعم بما يليق بمرتبته في البرزخ سواء عبرت عنه بالخيالى أو بالمعنوي أو بالجسماني اى المنسوب إلى الجسم اللطيف لا الكثيف فان اللذة الجسمانية المتعلقة بالجسد الكثيف حال الدنيا لا غير * قيل يا رسول اللّه هل يحشر مع الشهداء أحد قال ( نعم من يذكر الموت في اليوم والليلة عشرين ) مرة * وفي التأويلات النجمية الإشارة لا تحسبوا من قتل من أهل الجهاد الأكبر بسيف جلال اللّه في سبيل اللّه بالفناء في اللّه أمواتا وان فنيت أوصاف وجودهم فإنهم احياء بشهود موجدهم ومن كان فناؤه في اللّه كان بقاؤه باللّه فتارة يفنيهم بسطوات تجلى صفات الجلال وتارة يحييهم بنفحات ألطاف الجمال فإنهم يسرحون في رياض الجمال ولكن لا تشعرون بأحوالهم ولا تطلعون عليها * قال القشيري لئن فنيت في اللّه أشباحهم لقد بقيت باللّه أرواحهم * وقال الجنيد من كانت حياته بنفسه يكون مماته بذهاب روحه ومن كانت حياته بربه فإنه ينتقل من حياة الطبع إلى حياة الأصل وهو الحياة الحقيقية : وفي المثنوى مىكند دندان بد را آن طبيب * تا رهد از درد وبيمارى حبيب